محمد بن وليد الطرطوشي

408

سراج الملوك

فانكسر الحوض ، فجلس ثم اضطجع ، فقيل له في ذلك ؟ فقال : إن النبي صلى اللّه عليه وسلم أمرنا : « إذا غضب الرجل أن يجلس ، فإن ذهب عنه ، وإلا فليضطجع » « 1 » . وقال علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه : إنا لنصافح أكفّا نرى قطعها ، وقال أبو ذر : إنا لنكشر « 2 » في وجوه قوم ، وأن قلوبنا لتلعنهم . وقال الحارث بن قيس « 3 » : يعجبني من القرّاء كلّ طليق مضحاك ، فأما الذي تلقاه ببشر ويلقاك بعبوس ، يمنّ عليك بعمله ، فلا أكثر اللّه في المسلمين مثله . وقال عروة بن الزبير « 4 » : مكتوب في الحكمة : بنىّ لتكن كلمتك طيبة ، وليكن وجهك طلقا ، ولتكن أحبّ إلى الناس ممن يعطيهم العطاء . ومن يصحب صاحب السوء لا يسلم ، ومن يصحب صاحبا صالحا يغنم . وروي أن إبراهيم بن أدهم « 5 » ، خرج إلى بعض البراري فاستقبله جندي ، فقال له : أين العمران ؟ فأشار إلى المقبرة ، فضرب رأسه فأوضحه « 6 » ، فلما جاوزه ، قيل له : هذا إبراهيم بن أدهم ، زاهد خراسان ، فجاءه يعتذر إليه ، فقال : إنك لمّا ضربتني سألت اللّه لك الجنة ، فقال : لم ؟ فقال : قد علمت أني أؤجر على ذلك ، فلم أرد أن يكون نصيبي منك الخير ، ونصيبك مني الشر . وحكي أن أبا عثمان الحبرى « 7 » ، دعاه إنسان إلى ضيافة ، فلما وافى باب الدار قال : يا أستاذ ، ليس لي وجه في دخولك ، وقد ندمت ، فانصرف رحمك الله ، فرجع أبو عثمان ، فلما وافى منزله عاد إليه الرجل ، وقال : يا أستاذ : ندمت ، وأخذ يعتذر ، وقال : أحضر الساعة ، فقام أبو عثمان ومضى معه ، فلما

--> ( 1 ) روى الإمام أحمد في مسنده وأبو داود وابن حبان عن أبي ذر قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس ، فإذا ذهب عنه الغضب ، وإلا فليضطجع » والحديث في صحيح ( الجامع الصغير - رقم 769 ) . ( 2 ) كشّر عن أسنانه : كشف عنها وأبداها ( عند الضحك وغيره ) . ( 3 ) الحارث بن قيس الجعفي الكوفي ، العابد الفقيه ، صحب عليّا وابن مسعود رضي اللّه عنهما ، وقلّما روى ، توفي في زمن معاوية ( سير أعلام النبلاء 4 / 75 ) . ( 4 ) عروة بن الزبير بن العوام القرشي ، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة كان عالما صالحا كريما لم يدخل في شيء من الفتن انتقل إلى البصرة ، ثم إلى مصر فتزوج وأقام بها سبع سنين ثم رجع إلى المدينة وتوفى بها سنه 93 ه ( الأعلام 4 / 226 ) . ( 5 ) إبراهيم بن أدهم زاهد خراسان سبقت ترجمته . ( 6 ) أي شجّ رأسه حتى كشف العظم . ( 7 ) أبو عثمان الحيري : من شيوخ الصوفية الزهاد ، سبقت ترجمته .